بداية يجب أن أثني على مدير مسرح الغد الفنان القدير والخلوق الأستاذ سامح مجاهد على تفانيه في تقديم عروض مسرحية مصرية على مسرحه ترقى للعالمية بل وتصلح بتقدير عالي أن تمثل مصر في مهرجانات عالمية. إن مسرحية "حكايات الشتا" التي يقدمها مسرح الغد، هي عزلة الروح في زمن الصقيع، ففي ليلٍ بلا نار، حيث لا يَسري دفءٌ في أوصال العالم، جاءت هذه الحكايات، لا كعرضٍ مسرحي، بل كأنين روحٍ تائهة، تبحث عن جدارٍ تتكئ عليه، أو صوتٍ يردّ الصدى. ليس في المسرحية أحداث، بل أطياف. ليس هناك حكاية تسير، بل ذاكرة تتفتّت كثلجٍ في راحة اليد. “حياة” ليست امرأةً كهلةً فقط، إنها تجلٍ لصوتٍ نسيناه في داخلنا، لنداءٍ كان يهمس يومًا: هل من أنيس؟ لكنها لم تجد أحدًا، وحين تُفتّش في خزائن ذاكرتها، لا تفعل ذلك حبًا في الماضي، بل لأن الحاضر لا يُطاق، فكل من عرفتهم صاروا رمادًا في المدفأة، أو أسماءً في هواء بارد. “هيام” لم تعد هناك، و”سيف” لا يجيب، و”هاشم” مجرد صدى بعيد، هذا الشتاء ليس فصلاً في التقويم، بل مناخ دائم للروح المعاصرة: لا دفء، لا دفء .. لا .. دفء.في العرض، كل شيء ينطق بالصمت: الكرسي الخالي، الباب الموارب، الضوء الذي يخبو كأمل متعب، حتى الكلمات، لم تكن حوارًا، بل تراتيل، نسمع “حياة” ولا نسمعها، لأنها لا تخاطب أحدًا. إنّها تُناجي، تتوسل إلى الوجود أن يصغي، إلى الغائب أن يعود، إلى الغياب أن يهدأ، إنها تكتب رسائل في الهواء، وترسلها إلى عناوين لا يفتحها أحد.ومن ثم، فالمسرحية تغوص في ما يشبه تجربة الفناء الصوفي؛ فـالسيدة "حياة" تعيش انمحاءً تدريجيًا، لا من الحياة فقط، بل من الذاكرة واللغة والمعنى، إنها لم تعد قادرة على التمييز بين من غاب ومن بقي، لأنّ الروح حين تُنكِر الرفقة، تفقد البوصلة، وفي لغة ابن عربي: "الغريب من لا حبيب له"، والسيدة "حياة" غربتها لا في المكان، بل في الزمان والنفوس.ولعلّ النص الذي كتبه وكتب أشعاره الكاتب والمؤلف إبراهيم الحسيني والمأخوذ عن مجموعته المسرحية التي بعنوان "قضية إسكات الببغاوات" يقترب كثيرًا من طرح مارتن هايدغر حول "الوجود نحو الموت"؛ حيث الحياة بلا معنى حين تفقد الروابط الأصيلة مع الآخرين، فالبطلة هنا لا تنتظر الموت كحدث، بل كمقام وجودي سكنت فيه منذ أن بدأ الآخرون في الرحيل، وحتى عندما يتكلم الآخرون في المسرحية، لا يصل صوتهم، لأن الصلة الحقيقية بينهم قد انقطعت منذ زمن، ولذلك، فالكاتب إبراهيم الحسيني في هذا النص، لا يكتب نصًا، بل يسكب روحًا، كأنّه درويش يسير في صقيع الوجود حافيًا، يبحث عن نار الكلام في عزلةٍ باردة، لا يدوّن حوارًا بل يُنصت لأنين الأرواح، يلتقط وجع السيدة "حياة" كما يُلتقط النسيم في خيوط الدراويش، نصّه ليس دراما تقليدية، بل تجلٍّ صوفي لمعنى الاغتراب، حيث الشخصيات أطياف، والكلمات تراتيل مكسورة، والشتاء استعارة لفراغ الداخل، إنه لا يروي حكاية، بل يعبر مقامًا من مقامات الفناء، ينسج من الصمت قصائد، ومن الذكرى نشيدًا غائبًا، بهذا النص، يرقى إبراهيم الحسيني إلى مقام المؤلف المتصوف، الذي لا يقول "أنا أكتب"، بل يقول: "كنت بابًا لعبور الوجع".
والشتاء هنا في هذا النص، ليس فقط مناخًا طبيعيًا، بل استعارة للبرودة الوجودية التي باتت تسري في علاقات البشر، تمامًا كما وصف ألبير كامو الإنسان المعاصر الذي يعيش في "اللامعقول"، ويحاول أن يتواصل دون جدوى، ومن ثم، يصيح في العدم.
والمخرج الفنان محمد عشري، حين أخرج العرض، لم يُرد أن نرى شخوصًا، بل أرواحًا، ولم نعد نعرف: هل هذه الأجساد تتكلم؟ أم أن جدران البيت هي من تهذي؟ الموسيقى لا تعلّق على المشهد، بل تتسلل إلينا كما يفعل الحنين، خفية، تنقر القلب، وتغيب، كما أن الإضاءة ليست كشافًا، بل قمرٌ مشروخ، كل شيء في العرض يتحرك كما تتحرك الأحلام: خفيفًا، مراوغًا، وحزينًا.
التمثيل لم يكن أداءً بل حلولًا، فالدكتورة هبة سامي لم تكن تقوم بدور “حياة”، بل كانت هي "حياة"، وهي الروح التي لاتقف أمامنا على الخشبة، بل هي فينا، تُذكّرنا بأننا جميعًا نحمل شيئًا من هذه السيدة العجوز: امرأة تتحدث إلى الفراغ، وتنتظر أن يُجِيب، إن أداءها يوجع، لأنه لا يصرخ، بل يكشف عن هشاشة الروح عندما تفقد أهلها وأسماءها ودفء حضور الآخرين.
وهنا يكمن الجرح الكبير الذي يغرسه العرض في قلبنا: لم تعد الحياة تسير في خطّ، لقد تفككت الحياة، ولاحظ هنا أن أسم البطلة هو "حياة"، وهي امرأة مفككة، مما يعمق الإسقاط الدرامي، فهي لم تعد ( ولم نعد ) نتذكر جيدًا، هي لم تعد ( ولم نعد ) نحيا جيدًا، ليس لأننا لم نعد نحب جيدًا، بل لأننا تفككنا جيداً، ومن ثم، وعن قصد درامي محبوك، كانت الشخصيات كلها محاولات فاشلة للوصل، خيوطًا مقطوعة، نحن لم نعد نعرف كيف نُحب، لقد صرنا نختبئ خلف الشاشات، نبعث قلوبًا رقمية بدلًا من العناق، وننسحب من كل شيء حقيقي.
مسرحية “حكايات الشتا” تضعنا أمام هذا السؤال المخيف: ما معنى أن تكون إنسانًا اليوم؟ هل يكفي أن تتنفس وتأكل وتنام؟ أم أن الإنسان إنما يكون حين يُلمس ويُصغى إليه ويُحب؟ “حياة” كانت تموت لأن أحدًا لم يَعُد يطرق بابها، لم يَعُد أحد يكتب لها بطاقةً في العيد، أو يُفلت ضحكةً في المطبخ.
العرض كلّه كأنه دعاءٌ حزين، صلاة صامتة في محراب الوحدة، ننظر من خلاله إلى أنفسنا فلا نجد خلاصًا، لكننا نتذكّر. وهذا بحد ذاته إنجاز. نتذكر أن نرى وحدتنا في وجه السيدة “حياة”، أن نسمع بكاءنا بين السطور، أن نعترف أننا، مثلها، نحدّق في مرايا لا تُجيب، وأن نهمس: “أنا هنا”، ولا يردّ علينا أحد.
ففي زمنٍ تجفّ فيه الأرواح كما تجفّ أنهار الشتاء، يجيء هذا العرض كمرآة قاتمة، لكنه أيضًا كرسالة حب قديمة: لا زال هناك من يتذكّر، من يُصغي، من يوجَع. وربما، فقط ربما، لا يزال هناك أمل.
تفكيك الجماليات الفنية في "حكايات الشتا":
الإخراج (محمد عشري):
جاء إخراج عشري بمثابة رعاية روحية للمشهد، لم يقم بتوجيه الممثلين فنيًا فقط، بل روحيًا أيضاً، فكل شيء في الإخراج كان يبتعد عن الافتعال، ويقترب من الحلم، في حالة تُذكّر بتجارب روبرت ويلسون البصرية الصوفية، حيث التباطؤ مقصود، والصمت فاعل، والحركة داخل المشهد لم تكن للحكاية، بل للحالة، وهذا ما منح العرض بُعدًا تأمليًا.
ومن ثم، فقد أبدع العشري في جعل الزمن غير خطي، بل نهرًا دائريًا تتقاطع فيه الذاكرة مع اللحظة، حيث تتحول الشقة إلى مسرح داخلي لذاكرة السيدة "حياة"، كما أن اعتماده على الإضاءة لتفكيك الطبقات الزمنية، واستخدامه للموسيقى والرقص كوسائل سَرد، لا تجميل، يدل على وعيه بدور المسرح كطقس معرفي لا مجرد فرجة.
ومن ثم، فقد أظهر المخرج محمد العشري في "حكايات الشتا" حسًا إخراجيًا رفيعًا، قائمًا على وعي دقيق بوظيفة كل عنصر مسرحي في بناء الصورة الكلية. لم يتعامل مع الفضاء المسرحي بوصفه مساحة جامدة، بل أعاد توزيع الديكور ليخلق مناطق زمنية متعددة داخل المشهد الواحد، مفعّلًا بذلك منطق "الفلاش باك" البصري. تحوّلت الشقة في العرض إلى خريطة شعورية، حيث كل زاوية تشير إلى زمن مختلف من حياة البطلة، ما أتاح إمكانات سينمائية عالية داخل إطار حي، وساهم في تقديم صورة مركّبة لوجع الغربة الإنسانية في سياق زمانها ومكانها.
الإضاءة التي صمّمها العشري بنفسه جاءت عنصرًا مكمّلاً لهذا التوظيف الزمني؛ استخدمها بدقة لتحديد الانتقالات بين الذاكرة والحاضر، بين التذكّر والانطفاء. لم تكن الإضاءة ترفًا جماليًا، بل أداة درامية، حيث يَظهر الضوء ويختفي بإيقاع داخلي يتماشى مع تحوّلات الشخصية ومناخاتها النفسية. الانتقالات الضوئية لم تكن مصطنعة، بل جاءت عضوية، ساهمت في خلق سيولة بين الأزمنة.
أما الميزانسين وحركة الممثلين، فجاءت محكومة بمنطق الحالة لا بالإيقاع التقليدي للحركة. تَوزيع الأجساد في الفراغ كان مدروسًا لخلق توازن بصري، وتفعيل التوتر الدرامي حتى في لحظات الصمت. لم يلجأ العشري إلى التكديس أو المبالغة في التكوين، بل حافظ على اقتصاد حركي يضاعف من فاعلية اللحظة، ويترك للمشهد مساحة من التنفّس والتمدد البصري.
وما يُحسب له أيضًا، هو ذكاؤه في توزيع مواقع الموسيقى والغناء داخل العرض؛ لم تكن الأغاني أو الجمل الموسيقية دخيلة أو منفصلة، بل اندمجت في السياق العام كأجزاء وظيفية من البناء النفسي للشخصيات. تموضعت الأصوات في لحظات تحتاج إلى توسعة الشعور أو توكيده، لا لتزيينه، مما منح العرض بعدًا وجدانيًا عميقًا دون افتعال.
بهذا التكوين المتكامل، استطاع محمد العشري أن يقدّم إخراجًا ناضجًا، لا يعتمد على التأثير اللحظي أو الصورة السطحية، بل يُبنى من الداخل، بحرفيةٍ تُدرك المسرح كفنّ مركّب، تلتقي فيه اللغة والموسيقى والحركة والإضاءة والديكور في خدمة سؤال إنساني جوهري: كيف نعيش الغربة ونحن وسط منازلنا؟
الديكور (أحمد الألفي):
بسيط لكنه قاتل. غرفة باردة، مقعدٌ خالٍ، باب لا يُفتح. كل شيء يُشير إلى أن هذه المساحة هي داخل السيدة "حياة" لا بيتها، الكراسي الخالية بدت كقبر مفتوح للذاكرة، والجدران لم تكن تُؤوي، بل تُحاصر، هذه الرمزية الصامتة في التكوين البصري تُحاكي فكرة "المساحة الروحية المقفلة" التي تحدّث عنها غاستون باشلار في جماليات المكان، ومن ثم، فالديكور، بكل تفاصيله، كان تأريخًا بصريًا للوجع، كل قطعة أثاث، كل ظل على الحائط، وكل زاوية معتمة، كانت جزءًا من سيرة لا تُروى بل تُشاهد.
الإضاءة (المخرج محمد العشري):
لعبت دورًا لا يقلّ عن أي ممثل. الضوء لم يكن أداة كشف، بل كان هو الحكاية أحيانًا، توزعت الإضاءة ما بين الباهت والبارد، مما أعطى الإحساس بالزمن المجمَّد، كما أن مشاهد التحول من الذكرى إلى الحاضر كانت تُعرَف بالإضاءة فقط، في غياب أي مؤثرات أخرى، وهذه حساسية إخراجية محسوبة بدقة، حيث أدركها مصمم الإضاءة وهو نفسه المخرج محمد العشري بحيث تمشي على خيوط الذاكرة: أحيانًا باردة، كما في لحظات الانفصال، وأحيانًا دافئة كما في لحظات التذكّر الحميمة.
الموسيقى والغناء:
تسللت إلينا الموسيقى كأنفاس البرد، لا تهيمن ولا تختفي. وظّف المؤلف الموسيقي الجملة اللحنية كتوقيع وجداني، لا كخلفية، وهذا ما أتاح للمشهد أن يحتفظ بجوهره الحزين دون أن يتحوّل إلى خطاب عاطفي مباشر، وأحيانًا كانت الموسيقى صمتًا له صوت.
فالموسيقى لم تكن خلفية، بل كانت همسًا داخليًا لشخصية السيدة "حياة"، كما لو أنها تنبع من داخلها لا من مكبرات الصوت، كما أن الغناء بصوت رجب الشاذلي ملحن الأشعار وشاركته ياسمين رجب كان متوازيا في التألق مع روح النص، أما الرقص، كما جسدته الباليرينا فرح داوود، فلم يكن حركة بل دعاءًا جسديًا، حيث يصبح الجسد هو الوسيط بين الداخل والخارج، بين الماضي والحاضر، بين الإنسان وظله، ليندمج بذكاء مع المسار الروحي للنص، لكونه ليس للزينة ولا للإبهار، بل محاولة من الروح لأن تُفلت من قيد الجسد، ومن ثم، كانت "فرح داوود" ترقص كمن يكتب صلاة بجسدها.
الأداء التمثيلي: أرواح تمشي على الخشبة:
الدكتورة هبة سامي في دور "حياة" قدّمت أداءً يفوق حدود التقمص، لتسكن الشخصية كما يسكن النفس في الجسد، أو كما قال ابن عربي: "كل شيء سكن في مكانه فهو حقه"، هبة سامي لم تؤدِ الدور بل عاشت داخله، وبنقلاتها العاطفية بين الحنين والانهيار، بين الدفء والرعب، أعادت إلينا صورة الإنسان وهو يتآكل من الداخل، صوتها، نظراتها، حتى صمتها، كان جزءًا من سيمفونية الألم التي عزفتها ببراعة وصدق نادرين، ليغدو أداؤها شهادة فنية عن معنى أن تكون ممثلًا يحمل ذاكرةً كاملة في جسده.
عبير الطوخي، في شخصية "هيام" — طيف العاشقة الصامتة — كانت تجسيدًا خالصًا للصوفية في صورتها المجازية: الحضور الغائب، العاشقة التي لا تنطق، بل تهيم كما تهيم الروح في قصائد الحلاج، فعبير الطوخي تحرّكت كأنها ظلّ يتنفس، جسدت الوجد، الانكسار، الكتمان، كل ذلك بأقل الوسائل، لكنها بذلك أعادت تعريف التمثيل في أكثر أشكاله تجريدًا وقوة وإحكاما ليس بحجم الدور وإنما بتكثيف الأداء الإحترافي.
أما مايا عصام فقد حملت شخصية الخطيبة المعاصرة بثنائية جميلة من التردد والاندماج، وكان انفعالها كأنثى هو إنفعال ناضج ومسيطر عليه بعيدا عن انفعلات الصراخ وانفعالات الشارع، فجاء حضورها الإنساني والنسائي بتسلسل ووعي في منتهى النضج، لكونها إدركت بحسها الفني أنها تمثل في العرض جيلًا يقف على أطراف الحكايات، غير قادر على الغوص فيها، لكنه منجذبٌ إلى حرارتها الخفية، ولا شك أنها جسّدت تحولات الشخصية النفسية بجسدٍ مرن وبصوتٍ يتلوّن مثل مزاج الهواء، وأظهرت وعيًا دراميًا ناضجًا بكيفية التفاعل مع عالم السيدة "حياة" دون أن تطغى أو تتلاشى.
وفي دور "سيف"، قدّم مصطفى سليمان شخصية مركبة تتأرجح بين السخرية والذهول، بين العاطفة المبتورة والانبهار الغامض، وكان أداؤه متّسقًا مع فكرة "الإنسان الضائع" الذي يظن أنه يُمسك الواقع بينما هو في قلب وهمٍ داخلي. أداؤه تأرجح بانضباط بين الواقعي والسريالي، فكان بمثابة مرآة ساخرة للضياع المعاصر، ولو كان اتخذ النص مسارا يجعل من شخصية سيف شخصية متفلسفة وانفعلاتها انفعلات فيلسوف متأمل لقلنا أن النص هو تكملة لحكايات الشتاء من خلال الحكاية التي حكاها سيف بنفسه في كتاب أو على صفحات السوشيال ميديا أو بأي وسيلة أخرى، بعد أن خرج هو وخطيبته من منزل السيدة حياة، وهذا لا يقلل اطلاقاً من قيمة الشخصية وإنما هو مجرد تصور انتابني من ذدة اندماجي المحمود مع العمل.
أما تامر بدران، في شخصية "هاشم" الزوج الراحل، فكان طيفًا هادئًا يسكن الفراغات الزمنية، صوته، جسده، حتى حضوره الشبحاني، كان بمثابة ذكرى تهمس أكثر مما تُعلن، ونجح في أن يجعل من الحضور الغائب أيقونة للذكريات الموجعة.
وفي النهاية، فإن عرض "حكايات الشتا"، نحن لا نشاهد فيه مسرحًا بل نعيشه، نحن لا نتابع تمثيلًا بل نستمع إلى صدى أرواحنا فيه، هذا العرض يُعيد للمسرح كرامته كفنّ للتطهير، كما تصوّره أرسطو، وكنافذة للحقائق الغائبة كما فهمها المتصوفة.
إن عملٌ كهذا يستحق أن يُوثّق ويُدرّس، لا لأنه فقط جميل فنيًا، بل لأنه حقيقي، إنساني، وموجع، وكل ما هو موجع صادق. وكما قال جلال الدين الرومي: "حين تمزق القلب، يدخل النور."، فهو عرض ليس حكاية تُروى، بل همسٌ يُستشعر. ليس دعوة للفرجة، بل تذكير بأنّنا فقدنا شيئًا جوهريًا في زحمة هذا الزمن: الدفء. وبين صقيع الحاضر، وهشاشة الذاكرة، ترفع المسرحية مرآةً تقول لكلّ منّا: أنت “حياة”، تبحث عن معنى في رسائل لم تُرسل، وأبوابٍ لا تُفتح، وأسماءٍ لا تعود.
وفي زمن تتكاثر فيه العروض وتقلّ الرؤى، يبقى هذا العمل مشعًّا في صمته، مؤلمًا في هدوئه، وصادقًا في وجعه.
فن بطعم الإنسانية
من أنا
الخميس، 5 يونيو 2025
حكايات الشتا رائعة المخرج محمد العشري على مسرح الغد
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
-
بداية يجب أن أثني على مدير مسرح الغد الفنان القدير والخلوق الأستاذ سامح مجاهد على تفانيه في تقديم عروض مسرحية مصرية على مسرحه ترقى للعالمي...
-
فيلم “Moby” – “هل فُقدت في العالم مثلي”؟
-
تحفل مواقع شبكة الإنترنيت العالمية بآلاف المواقع المرتبطة بالفولكلور والتراث الشعبى عامة، غير أننا لا نستطيع أن نعدها جميعاً من المواقع المه...
-
بقلم محيي الدين إبراهيم – مصر noonmagazin@gmail.com أروع ما شدني هو وعي الممثلين بدقة الإيقاع الزمني والحركي، أدى الجميع أدوارهم باحتراف ...
-
في عالم الموسيقى، قد تمر بعض الألحان عبر الأزمان والثقافات لتولد من جديد بأرواح متعددة. هكذا كانت حكاية الأغنية الشهيرة “يا حبيبي تعال الح...
-
هنا .. في هذا الأفق الذي لم أكن أعرفه، يصبح الزمن سائلًا، والمكان طيفًا، والفكر، جناحًا يخفق بين ملكوت المعنى. هنا .. في ظل شجرة النور، أقطف...
-
التابعي .. حكاية شعب وازمة وطن. ولأن التابعي – قدراً – عاش في فترة ليست حرجة فقط بالنسبة لمصر انما للعالم كله 1896 / 1977 فقد كانت الكتابة ع...
-
بقلم: محيي الدين إبراهيم noonptm@gmail.com في هذه الرحلة تحديداً تنعدم الصلة بالإحتواء .. أنت داخل النقطة تخطيت عتبة الصله لعتب...
-
مهما كان حجم الحزن .. سيظل في القلب ( بقايا من نور ) تبحث عن وسيلة للخروج .. ومهما كان حجم الظلم .. سيظل في الروح ( بصمة عدل ) تنتصر للحرية ...


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق